دعوة للتسامح

يقول جيرالد جامبولسكي : ( بينما كنت أمارس الرياضة في الفترة الصباحية على أحد المسارات القريبة من منزلي رأيت زجاجتين من شراب الشعير قد ألقى بهما شخص ما بجوار الممر ، وبمجرد أن رأيتهما ضاق صدري ، إذ كيف يمكن لشخص مستهتر أن يلوث هذه الأرض الجميلة بهذه الطريقة ؟ كنت في غاية الغضب ، فأي غبيّ هذا الذي يلقي زجاجاته الفارغة ويشوّه جنّة كهذه ؟
يتابع : وبعد أن مررت بجوار الزجاجتين عدت إلى المكان الذي أقيم فيه ، وكنت أعدّ تصوّراً كاملاً في عقلي عن هذا الشخص المتبلّد الذي يفعل شيئاً كهذا ، ولكن هاجساً ما أوقفني : ” انتظر فبدلاً من أن تصدر كلّ هذه الأحكام ، فمن الأفضل أن تعود  لتلتقط هاتين الزجاجتين” ، فليس المهم كيف وصلت هذه الزجاجات إلى هذا المكان ، أليس من الأفضل تصحيح ما حدث بدلاً من كظم هذه الإدانة العنيفة والأفكار السيئة في عقلي لبقية اليوم ؟
وفي النهاية عدت والتقطت الزجاجتين ، وبمجرّد أن فعلت ذلك حلّ محلّ الشعور بالغضب شعور آخر بالسعادة والسكينة ).

هذه القصة البسيطة التي أسردها لكم تجعلنا نعيد التفكير في كيفية التفاعل مع الأحداث وكيفية تحويل تلك المشاعر السلبية التي يخلقها الغضب في نفوسنا إلى مشاعر إيجابية وإلى إحساس بالسعادة والفرح ، وهو ما ننشده ، وربما تجعلنا نستعيد كل تلك المواقف التي نمرّ بها في حياتنا اليومية وهل أجدنا التعامل معها بما يضمن عدم بقاءنا أسرى لتلك المشاعر السلبية بالسماح لها أن تسيطر على لحظاتنا ، وبالتالي استنزاف طاقتنا في مشاعر اللوم والغضب ، بدلا من الاستفادة من تلك الطاقة المهدرة في تصحيح خطأ ما أو انجاز مهمة تفيدنا في حياتنا وتفيد مجتمعنا.

ربما يكون مفهوم التّسامح لدينا هو ما يجعلنا نغفل عن أهميته في تنمية ذواتنا ، إذ أن المفهوم السائد أن التسامح يعبّر عن ضعفٍ في الشخصية وربما يعبر لدى بعض الأشخاص عن العجز عن إثبات خطأ المخطئ ، وربما يعبر عن الموافقة على الخطأ ، وكل تلك التعبيرات وغيرها هي رسائل سلبية ترسلها الأنا كلما هممنا أن نصفح عن مخطئ أو نتجاوز عن مسيء .
إن التسامح هو أن نشعر بالتعاطف والرّحمة والحنان ونحمل كل ذلك في قلوبنا مهما بدا لنا العالم من حولنا ، التسامح هو الطريق إلى الشعور بالسلام الداخلي والسعادة.

وقبل كل ذلك فإن التسامح هو من أعظم الخصال التي يحث عليها ديننا الإسلامي الحنيف والتي تساهم في تنمية الذّات والتربية على حب الخير ، ولعل تلك المواقف التي تعرض لها معلم البشرية صلى الله عليه وسلم وصحابته وتعاملهم معها من أجمل الدروس في التسامح والرفق ، فكيف بمن يصفح عمن يضع القاذورات والأذى في طريقه ، ومن يصفح عمن يسبه ويشتمه ، ففي يوم من الأيام كان محمد صلى الله عليه وسلم جالساً مع زوجته عائشة رضي الله عنها فمرّ به بعض اليهود وتظاهروا بالسلام عليه وهم يقصدون شتمه ففطنت زوجته وحبيبته وقرّة عينه عائشة لحقيقة كلامهم فبادلتهم المشاتمة في الحال .
فهل رضي عليه الصلاة والسلام بذلك ؟ وهل فرح لأنها لعنت من شتمه ؟
إنّ شيئا من ذلك لم يكن , بل وقع العكس حيث عاتب محمد زوجته الحبيبة وأمرها بالتسامح والرفق ونهاها عن الشدة والعنف ، وكان يقول لها ‏(مهلا يا ‏‏عائشة ‏إن الله يحب الرّفق في الأمر كلّه ..) ، وهل منّا اليوم من يفعل كما فعل عليه الصلاة والسلام ؟!

ختاماً ، ونحن إذ نتحدّث عن التسامح والرفق نتمنى ألا نكون من أولئك الذين يتشدّقون بالخصال الحميدة ويحثون عليها وهم أبعد مايكونون عنها وعن التحلي بها ، وما أجمل أن تنام قرير العين هادئ البال لاتحمل حقداً ولا ضغينة ، وهي دعوةٌ لأن نتسامح مع ذواتنا أولاً بعدم لومها على مواقف مضت ، ثم التسامح مع مجتمعنا والآخرين.

Be the first to like.

هذه المقالة كُتبت في التصنيف رؤية.., من مقالاتي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *